تصاعد الصراع الأمريكي الإيراني: من الهدنة الهشة إلى مواجهة مفتوحة في مضيق هرمز
مقدمة
يشهد الشرق الأوسط منذ أواخر فبراير 2026 واحدة من أخطر المواجهات العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ عقود، بعد أن تحوّلت أزمة دبلوماسية طويلة الأمد بشأن البرنامج النووي الإيراني إلى حرب مفتوحة أعادت رسم موازين القوى في المنطقة بأكملها. وبعد أشهر من التصعيد والهدنات المتقطعة، عاد الطرفان في الأسابيع الأخيرة إلى تبادل الضربات بوتيرة متسارعة، لتنهار الهدنة التي كان يُفترض أن تُنهي الحرب رسمياً، وتدخل الأزمة مرحلة جديدة أكثر خطورة تتمحور حول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم.
جذور الأزمة: من المفاوضات إلى الحرب
بدأت الأزمة الحالية من مفاوضات أمريكية إيرانية انطلقت في أبريل 2025 حول البرنامج النووي الإيراني، عقب انهيار الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في السنوات السابقة. ورغم استمرار المحادثات لأشهر، إلا أنها لم تفضِ إلى تفاهم دائم، في وقت كانت فيه إيران تعاني أصلاً من موقف إقليمي متراجع، بفعل العقوبات الاقتصادية المتراكمة، والاحتجاجات الداخلية، والأضرار التي لحقت بقدراتها العسكرية خلال “حرب الأيام الاثني عشر” مع إسرائيل في يونيو 2025، إضافة إلى تراجع نفوذ حلفائها الإقليميين بعد حرب غزة.
في 28 فبراير 2026، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربة جوية مشتركة غير مسبوقة استهدفت قمة القيادة الإيرانية، وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، في عملية أُطلق عليها اسم “الغضب الملحمي” (Operation Epic Fury). شكّلت هذه الضربة نقطة تحوّل جذرية، إذ ردّت الوحدات الإيرانية، التي تعتمد استراتيجية لامركزية في القيادة، بموجة من مئات الصواريخ الباليستية وآلاف المسيّرات استهدفت إسرائيل ودول عربية حليفة للولايات المتحدة، إضافة إلى قواعد عسكرية أمريكية منتشرة في المنطقة، كما بادرت إيران إلى محاولة إغلاق مضيق هرمز أواخر مارس.
بعد يومين فقط من اغتيال خامنئي، دخل حزب الله اللبناني، الحليف الأبرز لإيران في المنطقة، على خط المواجهة بإطلاق صواريخ على شمال إسرائيل، وهو ما أشعل فتيل حرب لبنان لعام 2026 بالتوازي مع الحرب الأمريكية الإيرانية. كما تعرضت الإمارات والسعودية والكويت لهجمات إيرانية دفعتها للرد عسكرياً والاشتباك مع فصائل عراقية موالية لطهران.
اتسع نطاق الحرب تدريجياً؛ فقد استهدفت إيران قاعدة العديد الجوية الأمريكية في قطر، ومنشأة رأس تنورة النفطية التابعة لشركة أرامكو السعودية، بينما اعترضت أنظمة الدفاع الجوي التابعة لحلف الناتو صاروخاً باليستياً إيرانياً دخل الأجواء التركية، في تطور اعتبرته أنقرة اعتداءً مباشراً استوجب تفعيل حق الدفاع عن النفس، وسط تأكيد الأمين العام للناتو مارك روته التزام الحلف بالدفاع عن تركيا. كما أغرقت غواصة أمريكية فرقاطة إيرانية في المحيط الهندي قبالة سواحل سريلانكا.
هدنة مؤقتة ثم مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب
بعد أسابيع من الاشتباكات المكثفة، دخل الطرفان في مسار تفاوضي متعثر؛ إذ رفضت إيران في البداية خطة سلام أمريكية من خمس عشرة نقطة، واشترطت إدراج وقف الحرب في لبنان ضمن أي اتفاق. وفي 8 أبريل 2026، تم التوصل إلى هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين، سرعان ما تعرضت للاهتزاز بعد ضربات إسرائيلية على لبنان ورفض إيراني لإعادة فتح مضيق هرمز. وبعد فشل محادثات إسلام آباد في منتصف أبريل، فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية.
جاء التحول الأهم في 14 يونيو 2026، حين أعلن وسطاء التوصل إلى مذكرة تفاهم تهدف لإنهاء الحرب رسمياً خلال ستين يوماً، ووقّعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قصر فرساي، ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في طهران يوم 17 يونيو. وعلى إثر ذلك، رُفع الحصار البحري المزدوج، ووصف ترامب حينها الاتفاق بأنه “يحقق كل ما سعينا لتحقيقه… إنهاء الصراع الحالي، وإعادة فتح مضيق هرمز، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي”. ومع ذلك، استمرت التوترات، وفي 28 يونيو اتفق الجانبان على وقف تبادل الهجمات رغم وقوع اشتباكات متعددة.
انهيار الهدنة وتجدد الحرب في يوليو
لم يصمد الاتفاق طويلاً. ففي الثامن من يوليو 2026، انهارت الهدنة المؤقتة بين الطرفين بعد اتهامات لإيران بضرب عدة سفن تجارية داخل مضيق هرمز، وهو ما دفع الولايات المتحدة للرد بضربات موسعة على الأراضي الإيرانية، تلتها هجمات إيرانية على قواعد أمريكية في دول الخليج. ومنذ ذلك التاريخ، دخلت الأزمة في حلقة متصاعدة من الضربات المتبادلة.
ففي السابع من يوليو، شنّت الولايات المتحدة سلسلة ضربات وصفتها القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) بـ”القوية”، استهدفت أكثر من ثمانين هدفاً إيرانياً، شملت أنظمة الدفاع الجوي، ومراكز القيادة والسيطرة، ورادارات ساحلية، وقدرات صاروخية مضادة للسفن، إضافة إلى أكثر من ستين زورقاً صغيراً تابعاً للحرس الثوري الإيراني قرب المضيق. وفي الوقت نفسه، أعادت إدارة ترامب فرض العقوبات على صادرات النفط الإيرانية رداً على استهداف السفن التجارية. ورداً على ذلك، أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ هجمات على قواعد أمريكية في الكويت والبحرين، وحذّرت طهران من “رد ساحق”، ما دفع البحرين والكويت إلى تفعيل صفارات الإنذار وأنظمة الدفاع الجوي.
وفي الحادي عشر من يوليو، وسّعت الولايات المتحدة نطاق ضرباتها لتشمل نحو 140 هدفاً عسكرياً إيرانياً، إثر إعلان الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز عقب استهداف سفينة حاويات تحمل علم قبرص، ما أدى إلى فقدان أحد أفراد طاقمها. وفي خضم ذلك، واصلت عُمان جهودها الوساطة، حيث التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي نظيره العماني بدر البوسعيدي في مسقط لبحث آلية إدارة الملاحة عبر ممرين منفصلين في المضيق، أحدهما عبر المياه الإقليمية الإيرانية يستلزم موافقة مسبقة من طهران دون فرض رسوم.
وتصاعدت الأزمة أكثر يومي 13 و14 يوليو، حين أعلنت الولايات المتحدة استئناف ضرباتها للمرة الرابعة على التوالي، مستهدفة منشآت في جزيرة كيش، من بينها محطة كهرباء أُصيبت بأضرار، إلى جانب مواقع قرب مدينة بندر عباس وجزر قشم وسيريك وهنجام في محافظة هرمزكان. كما أعادت واشنطن فرض حصارها البحري على الموانئ الإيرانية، ووصف ترامب الولايات المتحدة بأنها “حارس” مضيق هرمز، فيما ردّت طهران بضرب أهداف أمريكية في الأردن، وأعلن الحرس الثوري أنه ضرب وعطّل ناقلتي نفط عملاقتين وصفهما بـ”المارقتين”، بعد ساعات من إعلان الإمارات أن صواريخ إيرانية أصابت ناقلتين تابعتين لها في المياه الإقليمية العُمانية.
وفي تصريحات لافتة، تراجع ترامب عن وصفه السابق لمذكرة التفاهم بأنها إنجاز شامل، قائلاً إنها “لا تعني الكثير عندما تتعامل مع أشخاص مخادعين”، متوعداً بمزيد من الضربات ضد محطات الطاقة والجسور الإيرانية، فيما اتهم كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف واشنطن بخرق مذكرة التفاهم، محذراً من أن “عهد التنمر والابتزاز قد ولّى”.
الأثر على أسواق النفط والاقتصاد العالمي
انعكس تصاعد الحرب مباشرة على أسواق الطاقة العالمية؛ إذ قفز سعر خام برنت، المعيار العالمي للنفط، بأكثر من تسعة بالمئة في جلسة واحدة ليصل إلى نحو 83 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى إغلاق له منذ منتصف يونيو. ويعود ذلك إلى الدور المحوري لمضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، والذي تحوّل إلى ساحة مواجهة مباشرة بين البحرية الأمريكية والقوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني. وقد أدى الحصار المتكرر والاشتباكات إلى شح في الوقود في أجزاء من المنطقة، وارتفاع أقساط التأمين على الشحن البحري، وتزايد المخاوف من أزمة طاقة عالمية أوسع إذا استمر إغلاق الممر أو تعطّل حركة الملاحة فيه.
كما تشير التقديرات إلى أن كلفة الحرب على دافعي الضرائب الأمريكيين بلغت حتى يونيو 2026 نحو 113.3 مليار دولار، في وقت أظهرت فيه تقارير أن مخزون الولايات المتحدة من صواريخ اعتراض باتريوت الدفاعية استُنزف بشكل كبير جراء وتيرة الحرب المرتفعة، إذ استخدم البنتاغون قرابة نصف مخزونه من هذه الصواريخ بحلول شهر أبريل وحده بحسب تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
التداعيات الإقليمية والإنسانية
لم تقتصر الحرب على الطرفين الرئيسيين، بل امتدت تداعياتها إلى دول الجوار. ففي لبنان، أدى دخول حزب الله على خط الحرب إلى تجدد المواجهة مع إسرائيل، رغم وجود هدنة سابقة بين الطرفين ضمن إطار وقف إطلاق النار المرتبط بالحرب الإيرانية، إذ سُجّلت خروقات متكررة، من بينها استهداف إسرائيلي لحي في بلدة المنصوري جنوب لبنان أسفر عن إصابة سبعة أشخاص، في وقت كان من المفترض أن تنسحب فيه إسرائيل من منطقتين في جنوب لبنان تنفيذاً لاتفاق برعاية أمريكية. وقد نزح جراء الحرب في لبنان ما يزيد عن سدس سكان البلاد، إلى جانب آلاف القتلى في إيران ولبنان، وعشرات القتلى في إسرائيل ودول الخليج العربي، وملايين النازحين في مختلف أنحاء المنطقة.
كما شهدت المنطقة توترات جانبية عديدة، منها إسقاط صاروخ إيراني كان يحلّق فوق لبنان بارتفاع شاهق، واتهامات متبادلة حول من يتحمل مسؤولية استمرار القتال، فضلاً عن مخاوف دولية من اتساع رقعة الصراع لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى مثل العراق، الذي تحوّلت أراضيه إلى ساحة اشتباك بين قوات خليجية وفصائل موالية لإيران.
المواقف الدولية وجهود الوساطة
حاولت عدة أطراف دولية وإقليمية لعب دور الوسيط لوقف تصاعد الحرب، وعلى رأسها عُمان التي استضافت عدة جولات من المحادثات بين طهران والقوى الدولية، واقترحت آلية لإدارة الملاحة في مضيق هرمز عبر ممرين منفصلين. كما شاركت دول أخرى في محادثات إسلام آباد التي فشلت في أبريل. وفي المقابل، طالب ترامب الدول التي وصفها بأنها “تستفيد” من الحماية الأمريكية في المنطقة، وعلى رأسها إسرائيل والسعودية وقطر والإمارات، بتحمل جزء من كلفة الحرب.
من جانبها، أكدت حلف الناتو التزامه بالدفاع عن تركيا بعد الحادثة الصاروخية في مقاطعة هاتاي، في إشارة إلى أن الحرب قد تحمل أبعاداً تتجاوز الإطار الثنائي الأمريكي الإيراني لتشمل التزامات دفاعية جماعية أوسع.
إلى أين يتجه الصراع؟
حتى منتصف يوليو 2026، لا تزال احتمالات المسار المقبل للأزمة مفتوحة على كل الاتجاهات. فمن جهة، وصف ترامب الجولة الأخيرة من التصعيد بأنها “مناوشة عسكرية” وليست مرحلة جديدة وممتدة من الحرب، في وقت واصلت فيه الولايات المتحدة فرض حصارها البحري وتنفيذ ضربات يومية، وهدّدت باستهداف محطات الطاقة والجسور الإيرانية. ومن جهة أخرى، أشارت تقارير إلى أن طهران تواصلت مع مسؤولين أمريكيين طلباً لاتفاق جديد عقب استئناف الضربات، وإن أبدى ترامب شكوكاً حول جدية هذا التواصل.
يبقى مضيق هرمز البؤرة الأكثر خطورة في هذا الصراع؛ فطهران تسعى، وفق مراقبين، لفرض سيطرة شبه كاملة على الممر المائي وإخضاع حركة السفن التجارية لقواعد وتصاريح تفرضها بنفسه مقابل رسوم، وهو ما ترفضه واشنطن وتعتبره مساساً بحرية الملاحة الدولية. وطالما بقيت هذه المعادلة قائمة دون حل سياسي شامل، فإن احتمالات تجدد المواجهة العسكرية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وإنسانية على المنطقة والعالم، تظل قائمة وقابلة للتصاعد في أي لحظة.

