أخبار العرب

الخليج على صفيح ساخن بعد سلسلة هجمات على ناقلات النفط

يعيش الخليج العربي منذ أسابيع حالة من الترقب غير المسبوق، بعدما تحوّل مضيق هرمز -أحد أخطر الممرات المائية وأكثرها حيوية في العالم- إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين واشنطن وطهران، انعكست مباشرة على حركة الملاحة البحرية وأسواق الطاقة العالمية. فمنذ أواخر يونيو/حزيران الماضي، تتالت هجمات ناقلات النفط تزيد التوتر في الخليج يوماً بعد يوم، لتضع المنطقة أمام أخطر اختبار لهدنة هشة لم تصمد طويلاً أمام تصاعد الاتهامات المتبادلة.

سلسلة الهجمات: من الهدنة إلى الانفجار

بعد توقيع مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران في 17 يونيو/حزيران كان يُفترض أن تُنهي الصراع العسكري المباشر بين الجانبين، بدا أن حركة الملاحة في مضيق هرمز بدأت تستعيد بعض عافيتها، مع تسجيل ما بين 30 و60 عملية عبور يومياً وفق تقديرات صحافية غربية. غير أن هذا التحسن النسبي لم يدم طويلاً؛ إذ كشف رصد لشبكة الجزيرة أن ما لا يقل عن خمس سفن تعرضت لاستهداف مباشر منذ توقيع المذكرة، من بينها أربع ناقلات طاقة وسفينة شحن، في مؤشر واضح على أن التهدئة العسكرية لم تترجم إلى استقرار ملاحي فعلي.

الذروة الأخطر جاءت مطلع يوليو/تموز، حين تعرضت ثلاث ناقلات لهجمات متزامنة خلال ساعات قليلة قرب الساحل العُماني: ناقلة الغاز الطبيعي المسال القطرية “الركيات” التابعة لشركة ناقلات القطرية، التي أصيبت بضربة تسببت في اندلاع حريق بغرفة المحركات وأرسلت نداءات استغاثة خشية وقوع انفجار؛ والناقلة العملاقة “وديان” التي ترفع العلم السعودي وتديرها شركة البحري، والتي تضررت جراء انفجار قرب مضيق هرمز؛ إضافة إلى ناقلة ثالثة أصيبت بمسيّرة مجهولة الهوية بحسب ما أكدته هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية. وقد أدانت الرياض والدوحة الهجومين بشدة، حيث استدعت قطر نائب السفير الإيراني لتقديم احتجاج رسمي، فيما وصفت الخارجية السعودية ما جرى بأنه اعتداء صريح على أمن الملاحة الدولية وسلامة إمدادات الطاقة العالمية.

ولم تتوقف الحوادث عند هذا الحد؛ فبحلول منتصف يوليو، أفادت تقارير بأن الحرس الثوري الإيراني استهدف أيضاً ناقلات نفط إماراتية، وذلك في أعقاب إعلان واشنطن إعادة فرض ما وصفته بـ”الحصار البحري” على الصادرات النفطية الإيرانية. كما رصدت وحدات مصادر مفتوحة عمليات إغلاق جماعي لأجهزة تحديد الهوية الآلية (AIS) لدى عدد من السفن العابرة عبر المسار العُماني، في محاولة لتفادي الاستهداف، قبل أن تعاود هذه السفن الظهور في خليج عُمان بعد إتمام العبور خفية.

دوامة التصعيد العسكري بين واشنطن وطهران

لا يمكن فصل هذه الموجة من الهجمات عن السياق العسكري الأوسع؛ إذ شنّت الولايات المتحدة غارات جديدة استهدفت مواقع داخل الأراضي الإيرانية، ردّاً على ما اعتبرته واشنطن استهدافاً متعمداً لناقلات حليفة في المضيق. وجاء الرد الإيراني سريعاً عبر ضرب بنية تحتية عسكرية أميركية في دول خليجية مجاورة، ما دفع الهدنة الهشة التي كانت قد دخلت أسبوعها الثالث إلى حافة الانهيار الكامل. وفي تصريحات لافتة على هامش قمة لحلف الناتو في أنقرة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن مذكرة التفاهم مع طهران باتت في حكم المنتهية، مؤكداً عدم رغبته في مواصلة التفاوض مع القيادة الإيرانية.

بالتوازي، ألغت الإدارة الأميركية الإعفاء المؤقت الذي كان يسمح لإيران ببيع كميات محدودة من نفطها، وذلك رداً مباشراً على استهداف الناقلات الثلاث. هذا القرار دفع طهران بدورها إلى تسريع عمليات تفريغ مخزوناتها النفطية وإخراج ناقلاتها من المضيق بأسرع وقت ممكن، إذ أظهرت بيانات شركات تتبع الشحن البحري أن إيران صدّرت نحو عشرة ملايين برميل خلال ليلة واحدة فقط، في مؤشر على استعدادها لسيناريوهات مواجهة أكثر حدة.

الارتدادات الاقتصادية: أسعار النفط والتأمين البحري

انعكس هذا التصعيد الأمني بسرعة على أسواق الطاقة العالمية. فقد قفزت العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من 3% في جلسة واحدة لتغلق فوق 74 دولاراً للبرميل، بينما تجاوز خام غرب تكساس الوسيط عتبة 70 دولاراً. وأشار محللون في مؤسسات استشارية متخصصة إلى أن توقف حركة الملاحة عبر هرمز بات مؤشراً أكثر دلالة على مستوى المخاطر الفعلي من أي تصريح سياسي صادر عن واشنطن أو طهران، في ظل تسجيل بعض الأيام لعبور أقل من عشر سفن فقط، مقارنة بمعدلات اعتيادية تتجاوز العشرين.

كما قفزت تكاليف الشحن والتأمين ضد مخاطر الحرب بشكل حاد، حيث اقترب متوسط الكلفة اليومية لتحميل ناقلة داخل الخليج من 300 ألف دولار، بعدما كان قد تراجع إلى أقل من 200 ألف دولار قبل تجدد الهجمات. وأوصت بعض شركات التأمين البحري عملاءها بتعليق الرحلات مؤقتاً عبر المضيق، فيما بدأت شركات أخرى مراجعة شروط تغطيتها، بعدما اعتُبرت مياه هرمز رسمياً “منطقة حرب” من قبل الهيئات البحرية الدولية. وقد أدى هذا الوضع إلى تعليق عملية إجلاء البحارة العالقين التي كانت المنظمة البحرية الدولية قد أطلقتها عقب توقيع مذكرة التفاهم، بعدما أُجبرت على وقفها إثر تجدد الهجمات، تاركة آلاف البحارة عالقين في مياه الخليج دون أفق واضح للخروج الآمن.

موقف دول الخليج والمجتمع الدولي

أدان مجلس التعاون الخليجي بشدة ما وصفه بالاعتداءات الإيرانية المتكررة على أمن الملاحة وسيادة الدول الأعضاء، مشيراً إلى أن هذه الأعمال تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار. كما أشارت تحقيقات أمنية خليجية إلى ضبط عدد من الخلايا المرتبطة بإيران وحلفائها في أكثر من دولة خليجية خلال الأشهر الماضية، وهو ما عمّق الشعور بالتهديد المباشر لدى دول المنطقة، حتى تلك التي لم تكن طرفاً مباشراً في المواجهة العسكرية الأميركية الإيرانية.

في المقابل، حمّلت طهران واشنطن مسؤولية انهيار الهدنة، معتبرة أن إعادة فرض العقوبات النفطية تمثل خرقاً لاتفاق إنهاء الحرب. وتتبادل الأطراف حالياً الاتهامات دون وجود آلية تحقيق دولية مستقلة وموثوقة تحدد بدقة الجهة المسؤولة عن كل حادثة على حدة، ما يترك الباب مفتوحاً أمام مزيد من التصعيد الإعلامي والعسكري في آن واحد.

إلى أين يتجه المشهد؟

يبقى مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة تقارب 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية، نقطة الاختناق الأكثر حساسية في معادلة الطاقة الدولية. ورغم استمرار بعض شركات الشحن في المخاطرة بإرسال سفنها عبر الممر، فإن تزايد حوادث إخفاء الهوية الملاحية وتراجع عدد الناقلات عن العبور يعكسان حجم القلق الفعلي داخل القطاع البحري العالمي. وطالما ظلت المفاوضات بين واشنطن وطهران معلقة دون أفق واضح، فإن احتمالات تجدد الاستهداف تبقى قائمة، ما يجعل استقرار أسواق النفط العالمية رهيناً بمآلات معركة النفوذ الدائرة في مياه الخليج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *